إسفنج البحر الأحمر

جامعة الملك عبدالله تدخل اسفنج البحر الأحمر في تطبيقات طبية حيوية

قام الدكتور فراس لافي وهو عالم في مختبر البحر الأحمر لبيولوجيا الأنظمة المتكاملة بإجراء الأبحاث حول التجمعات الميكروبية غير العادية في إسفنج البحر الأحمر. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها عمل بحث عن هذه الكائنات البحرية الغير العادية المتواجدة في سواحل المملكة العربية السعودية. وقد أظهرت النتائج الأولية أن الإسفنج يحظى باهتمام كبير. في الأوساط العلمية , وكأعضاء في برنامج البحث التعاوني العالمي قام الدكتور لافي وزملائه مؤخراً بنشر مقالة في مجلة المجتمع الدولي لعلم البيئة الميكروبية (جزء من مجموعة النشر الخاصة بالطبيعة ) حول تسلسل المجتمعات الميكروبية لعدة فصائل إسفنجية في البحر الأحمر وهذا يرتكز على أطروحة الدكتوراه للدكتور لافي عن (البوريبكتيريا وهي فصيلة إسفنجية محددة) , والتي قدمها لجامعة كوينزلاند في شمال شرق استراليا

شكل 1

يعتبر الإسفنج البحري واحدا من أقدم أشكال الحياة في كوكبنا ويعود ذلك إلى حوالي 600 مليون سنة مضت وربما أكثر من ذلك بكثير. في بعض الأماكن قد يحتل الإسفنج معظم الأسطح المتاحة على العرق المرجاني أو قاع البحر. وهذه الحيوانات متعددة الخلايا لها تركيب جسدي بسيط وأنسجتها تظهر اختلافاً أو تناسقاً قليلاً وبوجودها ثابتة في مكان واحد بواسطة الساق أو بالاستقرار على أجسام عديدة تحت الماء فإن الإسفنج يقوم بتصفية ماء البحر عبر مساماته ويقوم باستخلاص البكتيريا واستخدامها كمصدر غذائي ويقوم بإخراج الماء المصفى عبر فتحة الزفير(أنظر الشكل 1) بمعدل يصل إلى 24,000 لتر في اليوم لكل كيلو غرام من الإسفنج .

إن البحر الأحمر وهو الجسم المائي الدافئ وعالي الملوحة والذي يتاخم حرم جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية. يعتبر نظاما بيئيا بحريا غير مستكشف على نطاق واسع. إن العروق المرجانية به والتي تمتد لحوالي 2000 كلم طولاً تغذي أكثر من 200 فصيل موثق من الإسفنج, ومع ذلك فإن عدداً قليلاً منه قد تمت دراسته .وفي الدراسة مثار البحث فإن الإسفنج ومجموعاته الميكروبية ومياه البحر المحيطة به قد تم فحصها جميعاً باستخدام أساليب تسلسل جينية .

ما الذي يجعل مجتمعات ميكروبات الإسفنج هذه مثيرة لفضول الباحثين ؟ إن الإسفنج اللين الذي يتم تفحصه لا يمكن له الاعتماد على قشرته القاسية للحماية, بل على ترسانته من المواد الكيماوية لتحميه من الهجمات. وعلى امتداد ملايين السنين من التطور, فإن هذا الإسفنج الرقيق المظهر كما يبدو قد طور نظام دفاع كيميائي قوي لحماية نفسه من الحيوانات المفترسة. ونجاحه الواضح في ذلك والذي يشهد به استمرارية بقائه ووجوده, ربما يعود أيضا لعلاقته بالمجتمعات الميكروبية وهي السلف المشترك للميكروبات الأكثر اعتيادا في الوقت الحاضر. وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن هناك نسبة ملحوظة من هذه المواد الكيماوية تنشأ من المجتمع الميكروبي المستوطن في أنسجة الإسفنج .

من المعروف جيدا أن هذه الكائنات الحية الدقيقة يمكن أن تشكل أكثر من نصف حجم الإسفنج, ولكن تواصلها مع مضيفها يبقى لغزا. نحن نعرف بالتأكيد أن الميكروبات المختلفة يمكن أن تكون مصدرا للغذاء والمسببات المرضية والطفيليات أو المجتمعات الميكروبية المتبادلة. إن الميكروبات المتكافلة تحتاج لأن تكون قادرة على المنافسة مع الميكروبات الأخرى الموجودة في الماء لكي تستوطن الإسفنج وحتى تقوم بذلك فقد تطورت لتنتج نسقا من المواد الكيماوية القادرة على سبيل المثال أن توقف دورة حياة الخلية لفصائل الميكروبات المنافسة. مثل هذه المركبات يمكن أن تحقق ذلك من خلال التدخل في دورة حياة الخلية لخلية السرطان (هذه المواد الكيماوية يمكن أن يكون لديها خصائص مضادة للسرطان) أو عن طريق القتل الانتقائي لفصائل أخرى (هذه المواد الكيماوية يمكن أن يكون لديها ببتيدات مضادة للميكروبات أو خصائص المضادات الحيوية). إنها القدرة الحيوية التكنولوجية لمجتمعات ميكروبات الإسفنج التي تحفز على البحث القائم عليه الدكتور لافي وتجعل التحريات قادرة على اكتشاف عقار طبي جديد.

الإسفنج البحري يعتبر من ضمن مصادر مملكة الحيوان الأكثر إنتاجية للمركبات الدوائية الجديدة .المنتجات الطبيعية استخدمت منذ فترة طويلة لمعالجة الأمراض التي تصيب البشر (الأسبرين من الصفصاف و الديجتال من قفاز الثعلب على سبيل المثال) والكثير من المركبات البحرية النشطة بيولوجياً جرى تقييمها من حيث خصائصها كمواد مضادة للالتهابات وطاردة للديدان المعوية .

يوجد هناك عدة طرق لمعرفة المركبات من حيث نشاطها البيولوجي وإحدى الطرق تتضمن عزل جزء من الإسفنج لمعرفة إذا كان بإمكانه إثارة رد فعل في سلالة الخلايا البشرية . في العادة فإن العديد من المركبات يتم فحصها بشكل متوازي باستخدام أجهزة الفحص الروبوتي الآلي. إن إجراء تسلسل الجينات لهذه الميكروبات التكافلية باستخدام طرق التوالد الجينومي أو الطرق التجميعية قد يسارع في عملية الفحص هذه.باستخدام التحليل الحسابي للتنبؤ بهذه المسارات .(مجموعات من البروتينات تعمل معا) المسئولة عن إنتاج المواد الكيميائية من مثل هذه الجزيئات النشطة بيولوجياً يمكن أن يساعد في استهداف عائلة محددة من الجزيئات وفي حالة المركبات التي لديها القدرة على قتل الخلايا السرطانية فإن هذه المركبات سوف يتم اختبارها ضد مجموعة من سلالات الخلايا المختلفة التي تم تطويرها بواسطة معهد السرطان الوطني. واحدة من أهم قصص النجاح مؤخرا يمكن الإطلاع عليها تحت عنوان (الأصفر اللزج) في الصفحة الثانية من هذه الورقة.

وبدعم من مختبر الموارد البحرية والساحلية فقد تم جمع الإسفنج من 4 مواطن مختلفة في البحر الأحمر بالإضافة إلى عينات من ماء البحر المحيطة بكل منها .وقد قام فريق جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية مع فريق برنامج البحث التعاوني العالمي ويمثلهم الدكتور أون أون لي (الباحث الرئيسي الذي قام بإعداد هذه الورقة) والزملاء العلماء من جامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجيا برئاسة البروفيسور باي يوان قيان قاموا باستخدام عملية التسلسل الحرارية وذلك لكشف التنوع الكبير وفصائل المجتمعات الميكروبية المحددة في إسفنج البحر الأحمر. إن العلماء ببساطة لا يستطيعون زراعة هذه الكائنات البحرية الدقيقة نظراً لأن ما نسبته 1% فقط من الميكروبات البيئية يمكن زراعتها في ظروف بيئة المعمل. وهذا هو السبب الذي جعل الدكتور تيموثي رافاسي الأستاذ المشارك في الهندسة الحيوية ومجموعته في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية يقومون باستخدام طرق التوالد والزراعة لتحقيق فهم أفضل للعلاقة بين البكتيريا والإسفنج.

إن طريقة التسلسل الحرارية يمكن أن تميز العينة بسرعة ودقة وهي الطريقة المفضلة لاستكشاف الكائنات البحرية الدقيقة. إضافة إلى الفصائل الأربعة الجديدة تماما التي قاموا بتحديدها باستخدام هذه الطريقة , فقد اكتشف الدكتور لافي وفريقه أن العديد من أنواع البكتيريا داخل الإسفنج كانت غير موجودة في مياه البحر المحيطة, رغم أن هذه المجتمعات الميكروبية كانت ثابتة في نفس الإسفنج المأخوذ من أماكن مختلفة. يوجد هناك طريقتان من المعتقد أن الإسفنج يكتسب البكتيريا من خلالهما, أثناء عملية التصفية والتغذية الموضحة آنفا فإن الإسفنج يحتاج لأن يكون قادرا على أن يميز المجتمعات البكتيرية التكافلية والذي من المحتمل أن يتم باستخدام نظام المناعة الفطرية لديه.وبدلا من ذلك فإن الإسفنج الآباء قد يقومون بنقل الميكروبات إلى سلالتهم من الأبناء عن طريق الاستنساخ, ونفس هذه الميكروبات من المحتمل أن تكون قد تطورت على مدى عدة أجيال ولم يعد لها أي وجود في مياه البحر.وعلى ما يبدو فإن إسفنج البحر الأحمر لديه مجتمعات ميكروبية محددة الإسفنج أو محددة فصائل الإسفنج وهي متواجدة بالرغم من غيابها من البيئة المحيطة. ما يزال هنالك الكثير من العمل الذي يجب تنفيذه للبحث في هذا التنوع وتأثيراته.

وللاستيعاب المتعمق لإمكانية إجراء البحث عن الإسفنج في البحر الأحمر, وكمثال آخر على التعاون في المجالات المتعددة التخصصات فقد ساهم أعضاء هيئة التدريس بمركز أبحاث البحر الأحمر في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بخبرتهم في توصيف تنوع وغنى بيئة الإسفنج المحلية. وقد بدأ كل من الدكتور مايكل بيرومين والدكتور كريستيان فولستر والدكتور لافي هذه العملية في وقت مبكر من هذا العام وذلك بقضاء وقت ليس بالقليل في مسح عدة عروق مرجانية على مقربة من الجامعة والقيام بالعد الفعلي لأنواع مختلفة من الإسفنج حسب فصائلها. سوف يتم تجميع هذه المعلومات والمتمثلة بأول إحصاء منهجي للإسفنج في البحر الأحمر بالمملكة ليس فقط لغرض فهم هذا النظام البيئي الفريد وتحفيز جهود المحافظة على البيئة, بل أيضا لتوجيه عمل الفريق المستقبلي مع الإسفنج. و من المهم بشكل خاص التأكد بأن الفصائل المستهدفة منتشرة بشكل كاف في البحر الأحمر لمزيد من التطبيقات الطبية الحيوية لجعل الدراسات مجدية. إن مثل هذا التعاون يجسد أهداف جامعة الملك عبد الله لإيجاد شراكات في مختلف المجالات. والدكتور لافي وجميع الباحثين المشاركين في مشروع الإسفنج ينتظرون بفارغ الصبر المزيد من الاكتشافات المثيرة من هذه المخلوقات الغير عادية المتواجدة بشكل مباشر على شواطئ جامعة الملك عبد الله.

انطلاق الأصفر اللزج


شكل 2

واحد من أحدث العقارات لعلاج السرطان والذي حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وهو ثمرة لأكثر من 26 سنة من الأبحاث متعددة التخصصات لدى مؤسسات عديدة. وكاستجابة لطلب من معهد السرطان الوطني الأمريكي فقد قام علماء الأحياء البحرية في مختلف أنحاء العالم بالعمل سويا لجمع طن متري كامل من الإسفنج اللين من فصيلة ( ليسوديندوريكس) المعروف ب (الأصفر اللزج) وذلك لاستخراج ما مقداره 300 ملغم فقط من مادة (هاليكوندرين بي). وقد تم السعي لإيجاد هذه المادة الكيميائية لإجراء التجارب الأولية نظرا لتأثيرها الفعال كمادة مضادة للسرطان في تركيبات الخلايا المختلفة. وقد لاقت عملية الجمع الدعم من قبل الحكومة النيوزيلندية من ضمن حكومات أخرى حيث أعطت الإذن لتجريف مناطق المياه العميقة للحصول على 1000 كلغم من الإسفنج.وبعد تحديد تركيبه الجزيئي وإجراء التجارب على الحيوانات ثم أخيرا نجاح المرحلة 3 بإجراء التجارب السريرية على البشر فقد تم ترخيص الشكل الصناعي لهذه المادة المعروف باسم (إيريبيولين) وذلك في شهر نوفمبر 2010 كعلاج للمراحل المتأخرة من سرطان الثدي.