رسالة قبول من الرئيس
ثقة نرعاها وحلم نسعى لتحقيقه
بكل التواضع والاعتزاز يسرني أن أقبل اليوم قرار تعييني رئيسا مؤسسا لجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية. وبهذه المناسبة أود أن أعرب عن عميق امتناني لرئيس مجلس امناء الجامعة معالي الأستاذ علي بن ابراهيم النعيمي، و رئيس لجنة تعيين الرئيس على هذا الشرف العظيم والمسئولية الكبرى.
إنني قبل كل شيء مهندس وباحث، وفي طفولتي كنت أجد سعادتي في أن أنقب في قنوات سنغافورة عن الأسماك والضفادع. وقد دفعني فضولي وفرحتي بتحقق ما أسعى إليه إلى أن أمضى حياتي كلها ساعيا وراء المعرفة العلمية والبحث في الأسباب. ومذ كنت يافعا كرست حياتي كلها للبحث العلمي وتطبيقه في حل مشاكل الإنسانية، وفي تهيئة الظروف لازدهار العلم وتغذية العقول المولعة بالعلم والراغبة في المعرفة من أجل عالم يقبل بالتنوع، ويحتاج البشر فيه للعمل معا.
وعندما يصبح مهندس و عالم مثلي رئيسا لجامعة مكرسة للاكتشاف والسعي إلى المعرفة، ملتزمة التزاما عميقا بالأبحاث العلمية واستقطاب أفضل العقول ومواجهة التحديات الملحة التي تواجه الإنسانية، أكون بذلك قد منحت ثقة يتعين علي الحفاظ عليها، كما أصبح بذلك أمينا على واحدة من أغلى مقتنيات الحضارة الإنسانية.
ولقد نلت شرف المساهمة في إنشاء جامعة عالمية مرتين في حياتي. كانت المرة الأولى في منتصف التسعينات من القرن الماضي، عندما طلب مني أن أترك حياتي البحثية الهادئة في جامعة براون بالولايات المتحدة حيث قضيت 30 سنة، وأن أعود إلى وطني سنغافورة لأصبح المدير المؤسس لمعهد الأبحاث الوطني ولأصبح بعد ذلك رئيسا لجامعة سنغافورة الوطنية حيث أسهمت في تحويل هذه الجامعة من مؤسسة تعليمية عريقة إلى جامعة بحثية عالمية تربطها صلات وثيقة مع الجامعات البحثية في أنحاء المعمورة.
وقد كان لي على مدى السنوات الإحدى عشرة الماضية، شرف العمل مع أناس متميزين في سنغافورة وجميع أنحاء العالم للمساعدة في تحقيق رؤية قادة وشعب سنغافورة في إنشاء جامعة بحثية من طراز عالمي. أما المرة الثانية، فهي الآن حيث يطلب مني المساهمة في بناء مؤسسة بحثية عالمية مرة أخرى بمقاييس القرن الحادي والعشرين، وهي المؤسسة التي، وإن كانت بعيدة عن وطني، إلا أنها قريبة إلى قلبي.
لقد أتيح لي شرف المشاركة في بناء ما أطلق عليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بيت حكمة جديد " يكون منارا للسلام و الأمل و الوفاق". فهناك في قلب جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية توجد روح الإسلام المستنيرة، تلك الروح التي تعشق المعرفة، ليس لذات المعرفة فحسب، بل ولما تحمله هذه المعرفة من آمال في حياة أفضل للبشر.
وكما قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، فإن بيت الحكمة الجديد "سوف يكون منارة من منارات المعرفة ، وجسراً للتواصل بين الحضارات والشعوب ، وأن تؤدي رسالتها الإنسانية السامية في بيئة نقية صافية، مستعينة بالله ثم بالعقول النيرة من كل مكان بلا تفرقة ولا تمييز"."
وإني لأتوجه إلى شعب المملكة العربية السعودية قائلا "إنني وزوجتي شغوفان بالعيش بينكم نستكشف تقاليدكم وثقافتكم الثرية ونقدرها. وبدعم من هذا الشعب الكريم أتطلع إلى المساهمة في أن تكون جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية مؤسسة معرفية عالمية تحمل اكتشافاتها في مجال العلوم والتقنية لخير شعب المملكة وأبنائهم والأجيال القادمة من بعدهم".
وإلى زملائي في المجتمع العلمي في العالم، أقول "إني أتطلع إلى بناء جامعة ذات مكانة عالمية تتبنى أفضل المعايير وتستقطب علماء رواداً من أنحاء المعمورة، بحيث يكون هذا المجتمع مجتمعا عالميا يضم أناسا متميزين من جميع أنحاء العالم. فهذا الانفتاح على الأشخاص الموهوبين ذوي القدرات المتميزة سيكون السمة المميزة لهذه الجامعة الجديدة وهو ما يوفر ضمانة أفضل لتحقيق أهداف رائعة".
غير أن جامعة الملك عبد الله لن تكون مجرد جامعة تحظى بهبة سخية فقط، بل ستمثل نقلة نوعية، على الصعيد العلمي والتنظيمي، بإجراء أبحاث مؤثرة لا تحدها التخصصات من أجل إيجاد بيئة جديدة للبحث بعيداً عن قيود الهياكل التنظيمية، وبناء شراكات عبر المجتمعات والثقافات والقارات من أجل الهدف الأكبر المتمثل في خدمة الإنسانية عن طريق إيجاد حلول علمية وتقنية للمشكلات التي تواجه المملكة والمنطقة والعالم أجمع".
وإلى سنغافورة وجامعتها وطنية، أقول "لقد تشرفت بالعمل مع أشخاص موهوبين ومتفانين في وطني، وأتيحت لي الفرصة لبناء هذه الجامعة البحثية العالمية. لقد كانت رحلة سعيدة تلك التي قطعناها معا ومنعطفا هاما من منعطفات التعلم بالنسبة لنا جميعا. وأنا اليوم أسير على الطريق نفسه مواصلا نفس الرحلة إلى عالم التميز العالمي في الدراسة والبحث".
لقد قلت في الاحتفال بالذكرى المئوية في جامعة سنغافورة الوطنية عام 2005، إن السمات الحيوية لمجتمعنا هي الخيال والانفتاح والشجاعة. فالخيال هو المادة الخام للاكتشاف والابتكار، والانفتاح يمكن مواطن القوة الطبيعية لدى الأفراد من أن تتعاضد وتتآزر. أما الشجاعة فتساعدنا في طلب الحكمة وتحمل المخاطر. أتمنى لكم التوفيق وأحثكم على مواصلة رحلتكم مع الخيال والانفتاح والشجاعة.
وإلى جميع زملائي وأصدقائي حول العالم أقول، "إننا أمام ثقة غالية علينا أن نكون أهلا لها، ونحن بصدد حلم نريد أن نجعله حقيقة".