مجلس الأمناء

His Excellency Minister Ali  Ibrahim Al-Naimi

معالي الوزير علي بن إبراهيم النعيمي


وزير البترول والثروة المعدنية

رئيس مجلس الأمناء بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية

رئيس مجلس الأمناء في الحفل الذي أقامته جامعة بكين الصينية بمناسبة منحها درجة الدكتوراه الفخرية لمعاليه

نوفمبر 13, 2009
جامعة بكين, الصين


أصحاب السعادة
الضيوف الكرام
أعضاء هيئة التدريس في جامعة بكين
أعزائي طلاب الجامعة
السيدات والساده
صباح الخير

أود أولا أن أشكر رئيس الجامعة البروفيسور (تشو كاي فينغ) على منحي شرف مخاطبة هذا الجمع المميز في هذه الجامعة المشهورة عالمياً . إنه لشرف حقاً بالنسبة لي أن أكون هنا في جامعة بكين أو جامعة (بييدا Bieda) كما تسمونها في الصين، ولا أخفي مدى تأثري العميق بمنحي الدكتوراة الفخرية من هذه الجامعة المعتبرة.

فمنذ تأسيسها سنة 1898م، رعت جامعة بكين عدداً كبيراً من المواهب الصينية والعالمية ممن لم يكتفوا فقط بقيادة التنمية في الصين، ولكن أسهموا أيضاً في تقدّم المجتمع الإنساني. وخلال فترة الحراك الثقافي الجديد في الصين، ساند رئيس هذه الجامعة السابق البروفيسور (تشاي يانبي) مبدأ حرية البحث والتقصي العلمي والانفتاح على كافة الأفكار والرؤى .

وأنا معجب كثيرا بكيفية تمكن جامعة بكين من خدمة مجتمعها كحاضنة للفكر الصيني الحديث. وعلاوة على ذلك، تجسّد (البييدا) مدى الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية مزيّنة بجرعة مناسبة من المثالية. ولقد دفع هذا الشعور بالمسؤولية الاجتماعية أعضاء هيئة التدريس والطلاب في الجامعة على المثابرة في تخطّي أسوار الجامعة في سبيل خدمة المجتمع الصيني الأكبر.

ولا يفوتني هنا أن أذكر تعليق الكاتب الصينى الشهير من أوائل القرن العشرين "لو شون" في إحدى المناسبات على دور هذه الجامعة في النهضة الصينية عندما قال "إن جامعة بكين سوف تكون على الدوام متجددة ، ومبتكرة ، و رائدة الاختراعات الحديثة والإصلاح، وستكون بمثابة الدافع والمحرك للصين نحو كل ما هو جيد على مسار التقدم". وتبدو هذه العبارات أكثر جمالاً متى ما قيلت باللغة الصينية: 北大是常为新的,改进的运动的先锋,要使中国向着好的,往上的道路走.

أشعر بأن في هذه الكلمات ملخص رائع لروح جامعة بكين. وأود أن أعرب عن أطيب التمنيات لهيئة التدريس والطلاب في مواصلة نقل هذه الروح من جامعة بكين الى آفاق أبعد. وبمنحي الدكتوراة الفخرية، أنتم تجعلون من (البييدا) أماً روحية لي (alma mater) وتمنحونني الإحساس بالانتماء إلى مجتمعكم الجامعي هذا. كما تمنحونني الإحساس أيضاً بأنني في وطني وأنا بينكم في الصين. إن الانتماء إلى روح (تشاي يانبي) النبيلة بالانفتاح الثقافي والفكري يمنحني الإحساس بأن وجودي مرحّب به هنا. ويبقى سببب إضافي بجيب على التساؤل لماذا أحس بأن هذا المكان وطني، وهو أنني أنتمي للقارة الآسيوية. وحينما يسافر المواطن السعودي للدراسة أو للتجارة أو حتى لتذوق جمال الطبيعة الصينية وجمال ثقافتها، فهو يشعر أنه في الوطن لأنه يبقى في حدود القارة الأم، آسيا.

وكما أن الصين تمثل الساحل الشرقي من البر الآسيوي ، فإن السعودية تمثل الساحل الغربي من بر قارتنا العظيمة. ولقد توسعت العلاقات الاقتصادية مؤخراً بشكل كبير بين بلدينا مقارنة بعدد قليل من العقود في الماضي القريب، . ومع ذلك، وبنظرة أوسع للعلاقات، لم يستجد ما يمكن أن يذكر في حجم التجارة و التبادلات الثقافية بين الصين والعالم العربي.

قبل حوالي ألف عام ، وفي مرحلة مبكرة من الخلافة العباسية، تمكن التجّار العرب من فتح خطوط تجارة بحرية منتظمة مع الصين، وأنشئوا عدداً من المراكز التجارية على طول ساحل الصين الجنوبي. وفي ذروة علاقاتهما التجارية، شكّل الصينيون والعباسيون أكبر قوتين اقتصاديتين في ذلك الزمان.

وعاد الحرفيون العرب إلى بلادهم في تلك الحقبة من الصين بعد أن تعلموا مهارة صناعة الورق وتفوّقوا فيها. وشكّلت الموانئ العربية شبكة منافذ تجارية حيوية لنقل وتسويق الحرير والخزف الصيني وغيرها من السلع الصينية إلى الأسواق الأوروبية. ولربما يتفق مؤرخو الحضارات الفكرية والثقافية أيضا على أن الصين والعالم العربي/الإسلامي كانا في النصف الأول من الألفية المنصرمة في مقدمة الحضارات المتقدمة بالفلسفة، والفنون, والعلوم و التكنولوجيا.

وبعد عدّة قرون من تلك الحقبة الذهبية في العلاقات الصينية العباسية، قام الصينيون بسلسلة من الرحلات الاستكشافية الرائعة للعالم العربي. ففي الفترة الواقعة بين 1413م و 1432م قامت أساطيل بحرية صينية بقيادة أمير البحر الصيني (زينغ هي) بعدّة زيارات لموانئ عربية. وعلى متن أحد تلك الأساطيل الصينية وصل شاب صيني اسمه (ما هوان) إلى العالم العربي، وهو عالم صيني من المتخصصين بالدراسات العربية، وكان من مقاطعة (تشيانج) الصينية، وهي نفس المقاطعة التي ينتمي إليها "لو شون" – ولقد سافر مع الأسطول كمترجم ومسجل للوقائع. وبعد إحدى رحلاته للمنطقة كتب (ما هوان) كتابه الشهير (نظرة شاملة على شواطئ المحيط)، ذلك الكتاب الذي حقق شهرة وانتشاراً واسعين في عصره. وفي رحلة أخرى من رحلاته أقام (ما هوان) عدّة أشهر في البلاد التي تعرف اليوم بالمملكة العربية السعودية. والحقيقة هي أن (ما هوان) كان يقيم في المنطقة التي يقع فيها ميناء جدة التاريخي والتي مازالت مزدهرة حتى اليوم وتحتضن في الجزء الشمالي منها الجامعة الجديدة، جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، التي تعرف اختصاراً بـ(كاوست). وعندما دوّن (ما هوان) تجربته في تلك المنطقة قال (إنهم قوم مسالمون وجديرون بالاحترام) وكتب أيضاً (في الحقيقة إنها أسعد الأوطان).

السيدات السادة و الطلاب الأعزاء:

رغم مرور ما يقرب من 600 عام على زيارة (ما هوان) لمنطقة من بلادنا، إسمحوا لي أؤكد لكم أنه عندما تزورون (كاوست) وأماكن أخرى في السعودية اليوم ، ستجدون أنها مازالت أسعد الأوطان. و (كاوست) اليوم هي واحدة من الجامعات الأحدث العالم، ورغم أنها مازالت تحبو في فصلها الدراسي الأول إلا أن 14% من المجموعة الطليعية من طلابها هم من الصينيين الذين يشكلون أكبر نصيب من الطلاب لدولة واحدة باستثناء دولة المقرّ من بين طلاب ينتمون إلى 61 دولة مختلفة. ولعل هذا السبب يضاف إلى ما سبق أن أوردته من أسباب تجعلني أشعر بأنني في وطني وأنا معكم هنا في شرق آسيا، ولذلك عليكم أن تشعروا بأنكم في وطنكم في غرب آسيا، في المملكة العربية السعودية.

أنا أحس بسرور بالغ برؤية الطلاب وهم يسافرون في الاتجاه الآخر أيضا، فأكثر من 400 طالب من السعودية يدرسون اليوم تخصصات الطبية ولتقنية في الجامعات الصينية و سينضم إليهم أكثر من 100 آخرين خلال العام القادم مما جعل الصين أكبر مستضيف للطلاب السعوديين في آسيا.

واعتباراً من صباح هذا اليوم دخلت (كاوست) مع (بييدا) في شراكة رسمية. فلقد وقعنا للتو (مذكرة تفاهم) للتعاون البحثي والتبادل الطلابي بين الجامعتين. وهذا التفاهم يمضي في سياق توجهات (بييدا) باعتبارها أول جامعة في الصين المعاصرة تهتم بالدراسات العربية وتقدمها ضمن برامجها الدراسية منذ ما يزيد عل ستة قرون. كما أن السعادة تغمرني بالاطلاع على أن (بييدا) ستستضيف فرعاً لمكتبة الملك عبدالعزيز للحفاظ على كافة المخطوطات المكتوبة بالعربية والصينية. وبهذا تنضم (بييدا) إلى جامعات ستانفورد و كامبريدج و الكلية الامبراطورية في لندن إضافة إلى 40 جامعة بحثية رائدة أخرى في شراكاتها مع (كاوست). كما أن لدينا شراكات نعتز بها مع أقسام البحث والتطوير في العديد من الشركات العالمية الرئيسية. ولقد بنينا في (كاوست) حديقة للبحوث ومجمعاً للابتكارات في سبيل التوصل إلى ابتكارات ومؤسسات صديقة للبيئه. ونأمل بمرور الوقت أن تلعب (كاوست) دوراً محورياً في في المساعدة في تنمية أغلى الموارد السعودية، وأعني بذلك رأس المال الإنساني، ليصبح الابتكار بمثابة المحرك والدافع للتنوع الاقتصادي في بلادنا والمساهم في جلب الفائدة للعالم أجمع.

لا ينصب اهتمامنا على احتياجات المملكة وحدها، أو على تطلعات الشعب السعودي وحد. ففدول أعمالنا البحثي في (كاوست) صمم لمعالجة بعض أمبر التحديات التي تواجهها الإنسانية اليوم. وعلى سبيل المثال توفير الماء العذب النظيف للعطاشى، والطعام للجياع، والعمل على توفير الموارد المتجددة لاقتصاديات العالم في بحثها المستمر عن مزيد من ا لطاقة.

نعم، لقد قلت موارد متجددة للطاقة.

ولرما تفاجأون بمعرفة أن المملكة العربية السعودية باحتياطاتها النفطية الأعلى على مستوى العالم ، بذلت مؤخراً جهوداً كبيرة في البحث والتطوير في مجال الطاقة الشمسية. والتساؤل الذي يطرح الآن هو لماذا نقوم بمثل هذه الجهود؟ حسنا، فرغم أن احتياطياتنا النفطية هي الغالبة، ويتوقع أن تستمر كذلك لعدة عقود قادمة، إلا أنها ستؤول في النهاية للنضوب. ولدينا في نفس الوقت إمدادات كبيرة من أشعة الشمس والادة الخام اللازمة لتصنيع الخلايا الشمسية وأعني بذلك رمال السليكون النقية.

السيدات والسادة و الطلاب الأعزاء:

وبصفتي وزيراً للبترول والثروة المعدنية في بلادي ، أود أن أبدي بعض الملاحظات على العلاقات الإستراتيجية التي تربط فيما بين جمهورية الصين الشعبية و المملكة العربية السعودية. فنحن ننظر إلى الصين كشريك استراتيجي، و نسعى إلى تقوية وتعزيز هذه الشراكة. ولقد أكد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بمجرد تولّيه مقاليد الحكم في البلاد، على أهمية علاقتنا بالصين باختيارها كوجهة لأول زيارة دولية رسمية له. وواصلت علاقاتنا التجارية المتبادلة ازدهارها في كافة الحقول ووصلت إلى آفاق جديدة في مجالات التجارة مدعومة بالنمو الاقتصادي السريع في منطقتينا.

تعتبر الصين اليوم من أهم شركائنا التجاريين في آسيا والعالم. كما تعتبر قارة آسيا أكبر شريك تجاري لنا بين القارات بـشريحة تصل إلى (45%) من مجمل تجارتنا الخارجية. وفي نفس الوقت تعتبر المملكة العربية السعودية بالنسبة للصين كما لكافة الدول الآسيوية الشريك التجاري الرئيسي في الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي بلغ فيه نصيب الصين من إجمالي وارداتنا نسبة تصل إلى (11%) أهلتها لاحتلال المرتبة الثانية كأكبر مصدر للواردات السعودية بعد الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى الدول، تحظى القارة الآسيوية، بصفة عامّة، بنصيب يزيد على (30%) من إجمالي وارداتنا. وتحتّل صادراتنا النفطية وغير النفطية إلى الصين المرتبة الثانية من إجمالي صادراتنا للدول الآسيوية.

وعندما يتعلق الأمر بالاستثمارات وتجارة الطاقة، نجد أن آسيا تستوعب أكثر من نصف صادراتنا من النفط الخام، والمنتجات المكررة، والغاز الطبيعي المسال، غير أن الصين لا تمثل سوى الخمس من سوق صادراتنا الآسيوية. أما على جبهة الاستثمار التي تشكل أهمية كبيرة لا تقل عن أهمية التبادلات التجارية نجد أن أكبر المصافي السعودية لتكرير النفط خارج البلاد أنشأت في دول آسيوية، بطاقة إنتاجية يومية تصل إلى 1,32 مليون برميل في اليوم في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية.

ونحن اليوم سعداء برؤية مصفاتي شركة أرامكو السعودية المتكاملتين في إنتاج البتروكيماويات و تسويقها كمثال لشراكتنا الناجحة مع اكسون موبيل و سينوبيك الصينية وهي تكثف الجهود، بمرافقها في مقاطعة (فوجيان الصينية)، للتعامل مع كميات تصل إلى 240 ألف برميل من النفط السعودي الثقيل في اليوم بحلول نهاية هذا العام. أما الاستثمارات الصينية في الصناعات السعودية للنفط والغاز فهي كذلك في توسع مستمر – في مجالات استكشاف الغاز ، وأعمال الحفر والتنقيب وغيرها من الخدمات في الصناعات النفطية والبتروكيميائية.

وحسب توقعات بعض المنظمات الدولية المستقبلية، يُتوقع ارتفاع استهلاك الصين من النفط إلى 1.7 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2015م. وإلى 7 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030م ويشكل ذلك الاستهلاك نسبة تصل إلى 32% من إجمالي الطلب المتوقع على النفط في العالم. ولسوف يتواصل هذا الطلب على النفط في الارتفاع مدفوعاً بعمليات التصنيع، والتحضر، وتزايد القابلية للانتقال والحركة. ويتوقع لهذا الطلب الصيني والآسيوي المتزايد على النفط أن يلبى بشكل رئيسي من المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى.

ولمقابلة هذا النمو المتزايد في الطلب والتوسع في التبادلات التجارية في منتجات النفط والغاز، تصبح الحاجة ماسة للاستثمار على طول خط السلسلة الإنتاجية للنفط والغاز في مختلف المناطق-خاصة في أسيا والشرق الأوسط.وتنفذ المملكة العربية السعودية وحدها حالياً خططاً استثمارية تزيد قيمتها على 100 مليار دولار للحفاظ على المستويات الحالية للإنتاج وزيادة الطاقات الإنتاجية إضافة إلى تطوير وزيادة مرافق التكرير والمعالجة ضمن المشاريع المعتمدة داخل وخارج المملكة.

وبتحقيقنا لزيادة في طاقتنا الإنتاجية من الزيت الخام إلى مستوى 12.5 مليون برميل في اليوم في يونيو من العام الحالي 2009م , نطمح إلى زيادة طاقاتنا في إنتاج الغاز ومعالجته بمقدار 4,5 مليار قدم مكعب في اليوم بحلول عام 2014م. وهذا يمثل زيادة تصل إلى 40% عن طاقتنا الإنتاجية الحالية ,وذلك لتلبية الاحتياجات المحلية لتشغيل المحطات الكهربائية ومحطات تحلية المياه والصناعات البتروكيميائية وغيرها من الصناعات المحلية .كما أننا ننفذ خططاً لبناء مصفاتي تكرير جديدتين في المملكة من خلال شراكات بترولية صناعية دولية. ويتوقع أن تضيف المصفاتان للطاقة الإنتاجية لبلادنا ما مقداره 800,000 برميل من المنتجات النفطية المكررة يومياً, ونقوم حالياً أيضاً بتطوير مصافي التكرير القديمة القائمة بتحويلها إلى مجمعات بتروكيميائية متكاملة. ويتوقع أن تؤدي هذه الاستثمارات إلى زيادة طاقاتنا التكريرية من خلال مصافينا المحلية و العالمية بحلول عام 2015م.

هذه الاستثمارات المحلية إضافة إلى استثماراتنا العالمية في مصافي التكرير من خلال شركات الاستثمار المشترك في الولايات المتحدة والصين وكوريا واليابان، تبرز صدق مساعينا نحو توفير الاستقرار في الأسواق العالمية، وضمان استمرارية الإمداد بالطاقة من مصادر يمكن الاعتماد عليها. ويشكل التزامنا تجاه الأسواق الآسيوية حجر الأساس في هذه المساعي. ولأكون أكثر وضوحاً بشأن هذا الالتزام تجاه الأسواق الآسيوية أقول أن الصين يمكن أن تعتمد على المملكة العربية السعودية بتزويدها بالنفط الذي تحتاجه لضمان الاستمرار في نموها المتوقع على مدى العقود القادمة.

السيدات والسادة و الطلاب الأعزاء:

اسمحوا لي باستعراض بعض المخاوف العالمية العامة بشأن أمن الطاقة. إذا ما عرّف أمن الطاقة بأنه التنوع، والوفرة، و التكلفة المعقولة للطاقة في كافة الأوقات، فهو موضع اهتمام للمنتجين مثلما هو موضع اهتمام للمستهلكين. ولكن لسوء الحظ فقد عمل البعض عل تعريف أمن الطاقة من خلال ربطه بأمور تتعلق بالتغير المناخي، والاستقلال الوطني بالطاقة، والتبعية للآخرين بالاعتماد على النفط المستورد. ولذلك أعتقد أن مثل هذا الربط الذي تغلب عليه المصالح الذاتية سيقود إلى اعتماد سياسات تقييد ومنع تفتقر للكفاءة وستؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة أمن الطاقة وتقويض الجهود الدولية في التعامل مع المسببات الحقيقية للتغير المناخي.

وعندما يتعلق الأمر بكفاية موارد الطاقة، لا بد من إبراز هذا الجانب من زاوية سيطرة النفط والغاز على مصادر الطاقة، حيث أن الصورة مختلفة تماماً عن تلك التي يحاول المتشائمون بشأن الموارد رسمها. ففي سنة 1990م وقف إجمالي احتياطي النفط العالمي الثابت على مشارف (1) تريليون برميل، في حين أنه يقف اليوم على مشارف (1,3) تريليون برميل، وتأتي هذه الزيادة رغم أن العالم استخرج واستهلك 485 مليار برميل. وتعطي احتياطيات الغاز صورة مشابهة لاحتياطيات النفط، فلقد ازدادت احتياطيات الغاز العالمية بمقدار 50% رغم إنتاج واستهلاك 44 تريليون متر مكعب من الغاز منذ عام 1990م. فحقيقة الأمر أن التكنولوجيا والإبداع الإنساني قد ساهما في نمو الموارد الهيدروكربونية لتكفي العالم مدة أطول.

وبالنظر من جانب الطلب على الطاقة، تعتبر الاقتصاديات العالمية حالياً أكثر كفاءة في استخدام النفط والطاقة من أي وقت مضى. فالكمية من الطاقة التي كان يستهلكها العالم لإنتاج ما قيمته (1000) دولار من إجمالي الناتج الوطني تقل الآن بنسبة 20% عمّا كان يستهلكه سنة 1990م. ولقد انخفض استهلاك الطاقة في الصين من 2,6 برميل من النفط أو ما يعادله لما قيمته (1000) دولار من إجمالي الناتج الوطني بالأسعار الثابتة سنة 1990م إلى 1,3 برميل حالياً. وهذه ظاهرة جديرة بالاهتمام في التجربة التنموية الصينية الرائعة التي استطاعت تحقيق معدلات نمو استثنائية مع ترشيد كبير في استهلاك الطاقة. وفي رحلة البحث عن مصادر متجددة للطاقة، تمكنت الصين، على وجه الخصوص، من جذب اهتمام العالم نحو استثماراتها الناجحة في توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية وقوة الرياح.

ولقد قوبل التوسع الاقتصادي الاستثنائي على مدى العقود الثلاثة الماضية في آسيا بتوسع في الطلب على إمدادات الطاقة من منطقة الخليج الثرية بمواردها النفطية. واستمر الخليج بالتزامه في الحفاظ على تدفق تلك الإمدادات النفطية إلى آسيا بالرغم من تغير الأسعار والأزمات الاقتصادية والمالية وحتى أثناء الأزمات والصراعات العسكرية.

والآن دعوني أستعرض أمامكم بعض المخاوف التي تقلق منتجي النفط. فبحكم أن النفط ثروة ناضبة، فلا بد من توظيفها في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين ولأجيال المستقبل. وهذا يتطلب توظيف تلك الموارد وعائداتها بكفاءة لدعم أهداف التنمية الوطنية. ولكنّ التعقيدات المصاحبة لصناعة النفط والغاز تتطلب إتقاناً للعلوم التكنولوجية والإدارية.

وفي المملكة العربية السعودية لدينا إستراتيجية اقتصادية تركّز على توظيف النفط والغاز وعائداتهما لتنمية الموارد البشرية، واستكمال بناء البنية الأساسية، ودعم وتطوير القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتوجيه قدر أكبر من الموارد نحو العلم والتكنولوجيا. فبجانب الاستمرار في التركيز في إنفاقنا على تنمية الموارد البشرية، شهدت السنوات الخمس الأخيرة توسعاً كبيراً في البنية الأساسية للبلاد شملت زيادة في عدد المدارس والجامعات والمستشفيات ومراكز التدريب المهني. ولقد تزامن هذا التوسع مع تحسّن ملحوظ في نوعية التعليم والخدمات الصحية وتطبيق برامج إصلاح عديدة في القطاعات ذات العلاقة.

وما زلنا في المملكة مستمرين في توجيه مزيد من الموارد نحو القطاعات المنتجة لخدمة أهداف التنويع الاقتصادي، وفي سبيل سن وإصلاح القوانين واللوائح لإيجاد بيئة أعمال آمنه. ويعتبر بناء خط سكة حديد الشمال – الجنوب الذي تشترك في إنشائه عدّة شركات من بينها شركات صينية لنقل الخامات المعدنية من الشمال للمعالجة والتصنيع في المجمّع التعديني الجديد في (راس الزور) على ساحل الخليج، واحداً من عدّة مشاريع تهدف للاستفادة الكاملة من الميزات التنافسية المقارنة للمملكة العربية السعودية.

وفي هذا السياق ستكون لبعض الكلمات عن السوق العالمي للطاقة فائدة. فلقد كانت السنوات القليلة الماضية بالغة الأهمية بالنسبة لأسواق الطاقة وكافة الأطراف ذات العلاقة. حيث ما لبثت الارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط والسلع الأخرى أن تهاوت في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وذلك قبل أن تتماسك الأسعار وتعود للارتفاع والتوازن من جديد حول مستويات مقبولة وقابلة للاستمرار في ضوء توقعات انتعاش اقتصادي أضحت ملامحه واضحة.

وفي وقت انتابتنا فيه المخاوف من التقلبات الحادة في أسعار النفط التي تعزى في جانب كبير منها لعوامل أخرى لا تدخل في نطاق العوامل الأساسية، حافظنا على قناعتنا بأن القيم السعرية المتطرفة لن تدوم لأنها تضرّ بالمنتجين والمستهلكين على السواء. ولذلك حاولنا من جانبنا التخفيف من وقع تأثير العوامل الأساسية المتسببة في رفع الأسعار على استقرار السوق وذلك من خلال العمل على ضخ مزيد من الاستثمارات في سبيل زيادة الطاقة الإنتاجية، ومن خلال التعاون مع كافة الأطراف ذات العلاقة لإعادة التوازن للسوق في حدود قابلة للتوقّع.

ولقد عملنا دون كلل مع كافة الأطراف المعنية في مبادرة (قاعدة البيانات النفطية المشتركة) التي نسقها (منتدى الطاقة العالمي) لتحسين مستوى الشفافية من خلال تقديم بيانات آنية ودقيقة عن استهلاك النفط وإنتاجه وتجارته ومخزونه. ولقد حذّرنا منذ أمد بعيد من أن التراخي في السيطرة على أسواق تبادل السلع بما فيها النفط يسهم في إضعاف دور الأساسيات في تشكيل بنية الأسعار ويزيد من حدّة التقلبات في الأسعار. ولقد تشجعنا عندما رأينا الاستجابة ، في ظل الأزمة المالية العالمية، لنداءاتنا المتكررة بزيادة الشفافية والرقابة في تلك الأسواق، وشهدنا في النهاية أن تلك النداءات بدأت في أخذ طريقها للتطبيق من خلال قوانين ولوائح جديدة تم اعتمادها ودخلت حيز التنفيذ في السيطرة على الأسواق الرئيسية في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.

سيداتي سادتي، الطلاب الأعزاء:

لقد أصبح من الشائع بين المتابعين اليوم في الشرق والغرب الحديث عن القرن الحادي والعشرين بصفته "القرن الآسيوي". وبالمقارنة بالفاصل الزمني للـ( 100 سنة الأخيرة) وحسب بعض الإحصاءات التي سبق أن استعرضناها، يمكن القول، من الناحية الاقتصادية على الأقل، بأن هذا القرن سيكون بالفعل قرن النهضة الآسيوي.

ورغم ذلك أرى أنه من الملائم بشكل أفضل وصف هذا القرن بأنه (قرن أسيوي) بدلاً من (القرن الآسيوي)، فكما يلاحظ في ما أوردناه سابقاً أن آسيا مرّت فيما مضى بعصور زاهرة كانت خلالها الدولة العباسية والصين القوتان الاقتصاديتان القائدتان في العالم. وحتى في تلك العصور، اعتمدت كلتا الحضارتان الآسيويتان على التجارة الحرة مع بقية العالم المعروف حينها.

وبدون تردد أو سؤال يمكن أن أقول أنه لا يمكن أن يكون قرننا الآسيوي الموعود ممكناً، ما لم تستمر آسيا بالانفتاح على العالم الأوسع. ولعل في انضمام الصين والمملكة العربية السعودية إلى (منظمة التجارة العالمية) خير شاهد على ذلك. كما أن الازدهار في آسيا لا يمكن أن يستمرّ دون الاستمرار في علاقات بنّاءة مع مختلف أقاليم العالم الأخرى، والسعي إلى تمتين علاقات تقوم على المنفعة المتبادلة مع الاقتصاديات الأفريقية الناشئة.

إن المملكة العربية السعودية تقدّر الجهود الدبلوماسية للصين بالسعي إلى تحسين وتطوير العلاقات بين البلدين بإرسال نائب الرئيس الصيني السيد (شي تشن بينغ) للاجتماع بالملك عبدالله في يونيو من العام 2008م، وتثمّن مشاركته الفعّالة في مؤتمر الطاقة الذي عقد في جدّة بهدف إعادة الاستقرار لأسعار النفط. إن استمرار مثل هذا الحوار بين الصين والمملكة العربية السعودية، وبيننا وبين الشعوب الأخرى، سوف يساهم في مزيد من الازدهار والأمن العالمي. وكإضافة لكنوز العلاقات التاريخية العربية-الصينية الذي تنامى على مدى أكثر من 1000 عام، دعونا نستمر في التعاون لتوفير الطاقة من أجل هذا القرن الآسيوي الجديد، ولنأمل ألا يقتصر تعاوننا على الطاقة اللازمة للنقل والصناعة بل يتخطاه أيضاً للطاقة الفكرية.

البروفيسور (تشو)، الضيوف الكرام، الطلاب الأعزاء، أيها السيدات والسادة:

أنا أشعر بالتواضع لمنحي الدكتوراه الفخرية التي أصبحت من خلالها عضواً في عائلة (بييدا) المميزة وأكثر اقتراباً للبلد الذي طالما حملت له مشاعر الاحترام. فأنا معجب جدا بديناميكية الشعب الصيني وبثقافته وبتقاليده الغنية وبتنميته الاجتماعية - الاقتصادية الرائعة. وإني لآمل مخلصاً أن تستمر العلاقات الودية العميقة بين بلدينا المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية بالازدهار وألا تقتصر على تبادل الطاقة والاستثمارات فحسب، بل تتعدى ذلك إلى مجالات التعاون السياسي والتجاري والثقافي. ويراودني إحساس بأننا لا نستغل حالياً سوى جزء ضئيل فقط من الإمكانات التي توفرها علاقاتنا المميزة لمصلحة الصين، والمملكة العربية السعودية والعالم اجمع.

وقبل الختام، اسمحوا لي مرة أخرى أن أعرب عن تقديري العميق على هذا الشرف العظيم وعلى الضيافة الكريمة. ولسوف أعتز بكل هذا ولن أنسى أبداً ما حييت هذه المناسبة الخاصة العزيزة على نفسي.

وأود باسم أحدث جامعة في المملكة العربية السعودية ، وربما في العالم أجمع، أن أمد يد الصداقة لمؤسستكم التعليمية العريقة ذات التراث المشرّف. ونحن نرى اليوم خطوة أخرى على طريق تعميق صداقتنا، نتطلع إلى سنوات عديدة من الصداقة معكم ومع شعب جمهورية الصين الشعبية.

وكما يقول المثل "صديق من بعيد يفهمك يقرّب أرضاً كانت بعيدة عليك" وباللغة الصينية يقول "海内存知己,天涯若比邻" أما لأصدقائي من غير الناطقين بالصينية فأقول إنني آمل أن تستمرّ الصداقة بين جامعة بكين و جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية كما آمل أن تدوم العلاقات الوثيقة بين الصين والمملكة العربية السعودية إلى الأبد. وشكراً لكم.